لم يعد التدهور مجرد أرقام تُقرأ في مؤشرات الاقتصاد، ولا تحذيرات حقوقية تُحفظ في أدراج المنظمات الدولية؛ لقد تحوّل في شهر أكتوبر 2026 إلى واقع يومي يعيشه الشارع السعودي.
في تقريره التحليلي الصادر حديثاً، يضع مركز الحقوق والبحوث العربية («آرك») يده على التحول الأبرز في المشهد: انتقلت الحرب من الحدود والمناطق النائية إلى قلب العاصمة الرياض. يفكك التقرير بدقة وبأسلوب صحفي رصين الفجوة الواسعة بين ما تُعلنه السلطة عبر منصاتها الرسمية، وما يكابده المواطن والمقيم في حياتهما اليومية من كلفة باهظة لسياسات فردية لم يُستشرا في اتخاذها.
يبدأ التقرير برصد التحول الميداني الأكثر إرباكاً؛ حيث استُهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض بثلاث هجمات متتالية خلال أسبوع واحد، كان أشدها هجوم العاشر من أكتوبر الذي أسفر عن سقوط ضحايا وإصابة المئات، وتسبب في شلل شبه تام بحركة الطيران.
ويركز التقرير على الجانب الفردي والإنساني في إدارة هذه الأزمة:
- تعطيل الحياة اليومية: إلغاء نحو 86% من الرحلات المجدولة في مطار العاصمة خلال أكثر من أسبوعين، وتعليق كبرى الشركات العالمية لرحلاتها.
-غياب الشفافية والإنذار: وقوع الهجمات دون تفعيل أنظمة إنذار عامة تنبه المسافرين في المطار، واقتصار الإفصاح الرسمي على بيانات متأخرة ومجزأة.
-التناقض بين الصورة والواقع: عجز واضح عن حماية المنشأة الجوية الرئيسية لعاصمة تسوّق نفسها كمقر للفعاليات الدولية والأنشطة الاقتصادية الكبرى.
على الصعيد الإقليمي، يلاحظ التقرير عودة المملكة للانخراط العسكري المباشر في الملف اليمني بنفس المقاربة التي بدأت بها قبل أحد عشر عاماً: القرارات المفاجئة: إعلان قرارات تنظيمية تمس حياة نحو مليوني مقيم يمني تحت مسمى "تصحيح الأوضاع"، تزامناً مع تصعيد عسكري جديد.
مقابل الإعلانات الحوثية عن استهداف مقرات وقوات، تكتفي السلطات الرسمية برصد الخسائر في الداخل وتصمت عن التكاليف البشرية لجنودها في الميدان.
أيضاً إدارة ملف الحرب من غرف مغلقة دون وجود مجالس تمثيلية أو هيئات مستقلة تملك حق مراجعة القرارات التي تعيد البلاد إلى المستنقع ذاته.
ويكشف التقرير، استناداً إلى تسريبات وتقارير صحفية دولية موثوقة، طبيعة ترتب أولويات الدفاع والأمن في أوقات الأزمات:
تركيز المنظومات: نقل وتوزيع بطاريات الدفاع الجوي لإعطاء الأولوية القصوى لحماية القصور الملكية ومنشآت الطاقة، على حساب المنشآت المدنية والمطارات.وجمع ملفات التصنيع والبحث الدفاعي وإدارة وزارة الدفاع في يد واحدة داخل الدائرة العائلية المقربة، دون تقديم إجابات أو إجراء مساءلة حول مكامن الإخفاق التي ظهرت أثناء استهداف المطار.
ينتقل التقرير إلى تحليل حقيقة التفاهمات والدعم الخارجي الذي تسعى إليه السلطات:
بريطانيا تنشر مقاتلات للدوريات دون أن تهاجم، ومصر تفوض بالدفاع عن الحدود فقط، وفرنسا تؤمن احتياجاتها من الديزل وتغادر.و يظهر التقرير حدود النموذج الذي يعتمد على شراء الأمن الخارجي عبر صفقات الاستثمار، مؤكداً أن الحماية الخارجية تظل مرتهنة بمصالح أصحابها وليست بديلة عن الشرعية الداخلية والاستقرار المبني على مؤسسات وطنية متينة.وعلى الصعيد الاقتصادي والترفيهي، يرصد التقرير تراجعاً ملحوظاً في المشاريع والفعاليات الكبرى التي شكلت واجهة السياسات الترفيهية والتسويقية خلال السنوات الماضية:
إلغاء وتأجيل مهرجانات ومؤتمرات بارزة مثل حفل "جوي أواردز"، ومهرجان "البحر الأحمر"، وتأجيل مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار". أيضا اتجاه صندوق الاستثمارات العامة للتخلي عن خطط بناء عدد من الملاعب المخصصة لمونديال 2034.
يخلص التقرير إلى أن الاعتماد على القوة الناعمة والمشاريع الاستعراضية لا يمكن أن يكون بديلاً عن الاقتصاد الحقيقي الصلب والشرعية السياسية المؤسسية.
وفي محاولة لمعالجة التدهور المالي واستنزاف الموارد، اتخذت السلطة قرارات مسّت مباشرة معيشة الأسر:
زيادة أسعار الكهرباء والمياه والصرف الصحي بنسب ملحوظة بدءاً من عام 2027. وتقديم بدل شهري بقيمة 500 ريال لشريحة محددة، مما ينقل عبء التضخم وارتفاع الأسعار المستقبلي إلى كاهل المواطن والأسرة بشكل دائم. صدور لوائح جديدة لتقليص مهل إخلاء العقارات، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
الملف الحقوقي: القبضة الأمنية وتغييب الجثامين
يختم التقرير محاوره بالتوقف عند الواقع الحقوقي الأليم، مفككاً أوهام الإصلاح القانوني التي رُوّج لها سابقاً:
إعدام القاصرين: تنفيذ أحكام الإعدام بحق شباب (مثل الشاب حسن الفرج) على خلفية تهم ومشاركات في احتجاجات سابقة عندما كانوا أطفالاً، برغم التعهدات الرسمية السابقة عام 2020 بإلغاء عقوبة الإعدام على القاصرين.
تجاهل النداءات الأممية: تنفيذ الأحكام بعد أيام قليلة من مطالبات الخبراء الأمميين بالإفراج عنهم، وتغييب جثامينهم عن عائلاتهم.
الرسالة للداخل: يؤكد التقرير أن ظروف الحرب في الخارج لا تُخفف القبضة الأمنية على المعارضة وأصحاب الرأي في الداخل، بل تُستغل أحياناً كغطاء لتمرير التجاوزات الحقوقية.
خاتمة التقرير: أين يكمن الحل الحقيقي؟
يخلص التقرير الشهري لمركز «آرك» إلى نتيجة مكثفة: إن الدول لا تُبنى بعقود الحماية ولا بالمشاريع الاستعراضية، بل بوجود مجتمع حيّ وقادر على المساءلة.
إن استمرار إدارة البلاد بمنطق القرار الفردي، ونقل كلفة الخيارات السياسية والعسكرية إلى كاهل المواطن، وحرمان المجتمع من حقه في التعبير والمشاركة، يظل هو السبب الرئيسي في حالة الهشاشة والانكشاف. ولا مخرج حقيقياً للمملكة من هذه الأزمات المتلاحقة إلا بالعودة إلى الشعب، وبناء دولة المؤسسات وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية للجميع.