تقف السلطات السعودية اليوم أمام مفارقة اقتصادية كاشفة؛ ففي الوقت الذي تباهي فيه بشرائح العرض ونمو الاستثمار المحلي بنسبة 5.3%، تكشف الأرقام الرسمية الخلفية الواقعية لهذا البريق: عجزٌ يتفاقم بنسبة 50% ليصل إلى نحو 65 مليار دولار، وتوقعات بعجز مستمر حتى عام 2029، ودَينٌ عام تضاعف أكثر من 38 مرة مقارنة بعام 2014.
فهل نعيش بالفعل تحولاً اقتصادياً حقيقياً، أم أن الاقتصاد برُمته يُدار اليوم بمنطق "بطاقة الائتمان"؟
حين تمول الديون "أرقام النمو"
إن الربط بين نمو الاستثمار وتفاقم العجز ليس مجرد مقارنة في الأرقام، بل هو تفكيك للنموذج الذي تفرضه السلطات السعودية؛ فالنمو الذي يتحدث عنه الإعلام الرسمي في القطاع غير النفطي لا يعود إلى بيئة استثمارية تلقائية أو تدفقات أجنبية ضخمة، بل إلى ضخ حكومي مكثف عبر الاستدانة واستنزاف الموارد.
تستدين السلطات لتضخ الأموال في مشاريع الواجهة وصندوق الاستثمارات العامة، ثم تخرج لتستعرض ارتفاع "تكوين رأس المال الثابت". إنها الدائرة ذاتها: الدولة تقترض، وتنفق، ثم تحسب هذا الإنفاق الحكومي نمواً استثمارياً، بينما تتحمل الخزينة العامة والشارع كلفة هذه الديون والمخاطر.
نفط فوق الـ 100 دولار.. وعجز يومي يبلغ 180 مليوناً!
تزداد الصورة إيلاماً عند النظر إلى أسعار النفط؛ فعلى الرغم من بقاء أسعار الخام عند مستويات مرتفعة متجاوزة 100 دولار للبرميل، تعجز الخزينة عن تحقيق التوازن المالي. والسبب واضح: كلفة الحروب، وتخبط الأولويات، والتوسع المفرط في المشاريع غير الإنتاجية جعلت نقطة التعادل للبرميل أبعد من أي وقت مضى.
حين يصل العجز اليومي إلى نحو 180 مليون دولار في بلد نفطي كبير، يتضح أن المأزق ليس في قلة الموارد، بل في كيفية إدارتها وفي القرارات الفردية التي تجعل الاستدانة خياراً دائماً حتى نهاية الدهر.
من يدفع الثمن في النهاية؟
إن سياسة "العيش على الدين" لإنتاج أرقام براقة لا تمر دون كلفة حقيقية، والشارع هو من يدفع هذه الفاتورة دائماً. فبينما تُغطى العجوزات بإصدار السندات والاستدانة، تُفرض على المواطن ضغوط معيشية متصاعدة من رفع لتعرفة الخدمات وفواتير الكهرباء والمياه، وتقليص للدعم، وزيادة في أعباء الضرائب.
تُرحّل السلطات السعودية الديون إلى الأجيال القادمة، وتضغط على الحاضر برفع الأسعار، كل ذلك من أجل الحفاظ على واجهة استثمارية تُدار بأموال القروض.
خاتمة:
إن الاقتصاد الحقيقي لا يُبنى بالديون المتراكمة ولا ببطاقات الائتمان الحكومية، بل ببيئة عمل مستقرة، وبمحاسبة شفافة لأوجه الإنفاق، وبأولويات تضع أمن المواطن المعيشي فوق المشاريع الاستعراضية. وحين يصبح النمو مجرد نتيجة للاقتراض والعجز المستمر، فإن الأرقام البراقة تفقد قيمتها أمام واقع الشارع المعاش.