بعثت جمعية الحقوق المدنية والسياسية التي تعرف ب ( حسم) بخطاب لكبار المسؤولين السعوديين، ومجلس حقوق الإنسان حول انتهاكات حقوق الإنسان، وكان ذلك في يوم السبت 13 رمضان 1432 ، 13 أغسطس 2011.
ومن ضمن الذين وجه لهم الخطاب آنذاك مدير عام المباحث العامة بوزارة الداخلية، عبدالعزيز الهويريني الذي يشغل حالياً منصب رئيس أمن الدولة، الذي ظهر مؤخراً في حلقة من حلقات برنامج حكاية وعد الذي يبث في شهر رمضان المبارك عبر قناة MBC، قال فيه" وجّهنا الأمير محمد بن سلمان بالعفو عمّن غُرّر بهم وهاجموا المملكة من الخارج، والترحيب بهم إذا لم يكونوا قد ارتكبوا جرماً كقتل أو اعتداء على أحد، وكانوا فقط قد اُستغلوا بدفع أموال لهم أو غُرر بهم، فيعودون مُرحَّباً بهم ولن ينالهم أي عقاب"
وحظى بتفاعل واسع من النشطاء على مواقع التواصل.
خطاب حسم الذي مضى عليه أكثر من 13 عاماً، لم يفقد قيمته وجوهره لا سيما وأن ملف معتقلي الرأي وانتهاكات حقوق الإنسان ما زالت تثقل كاهل النظام السياسي، وكأن حسم ترد على الهويريني مرة أخرى، وهانحن نوجّه له ولولي العهد محمد بن سلمان، الخطاب مرة أخرى.
الموضوع: من جمعية الحقوق المدنية والسياسية (حسم) في السعودية إلى المكرم مدير المباحث العامة سابقاً، رئيس أمن الدولة حالياً بخصوص مسئوليته القانونية في الاعتقال التعسفي والتعذيب.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نهنئكم بحلول شهر رمضان المبارك، ونرجو للجميع التوفيق والتقوى، فالحكمة من الصوم هي التقوى كما قال تعالى “لعلكم تتقون” ورمضان هو شهر رحمة، وفرصة للجميع لمحاسبة النفس ومراقبة الله، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا”، ونخاطبك في أمر جسيم يهم عموم المواطنين.
بعد السلام والتهنئة، عللت حسم سبب مخاطبة الهويريني مباشرة، لأنه يتحمل المسؤولية المطلقة عن ممارسات جهاز المباحث، عندما كان مديراً لها والآن بمنصبه الحالي أيضاً يقع تحت طائلة المسؤولية؛ لأن المباحث العامة تعد أحد القطاعات التابعة لرئاسة أمن الدولة.
ذلك الجهاز المعروف بانتهاكاته لحقوق الإنسان المحظورة دولياً وداخلياً تصل إلى درجة جرائم ضد الإنسانية، وقارونها حسم بجهاز " السافاك" في عهد الشاه إيران، و "مباحث أمن الدولة " في عهد الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، وجهاز مباحث زين العابدين بن علي.
وذكرت حسم بمصير ما أسمتهم بالعناصر الفاسدة في تلك الأجهزة التي تخضع الآن للمحاكمة في بلادهم بسبب ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية.
وأشارت إلى "المحاكم الخاصة" التي أنشأتها وزارة الداخلية تحت غطاء الإرهاب المزعوم، وهي خارج دار القضاء لذلك هي غير قانونية، وتنتهك حقوق المتهم والسجين، وتنتزع الاعترافات وتلفقها تحت التعذيب والإكراه وغيره وبالتالي جهاز المباحث لا يبالي بروح النظام. وأوضحت حسم أن لديها صوراً لأحكام صدرت من ديوان المظالم تقضي بتطبيق المادة 114 من نظام الإجراءات الجزائية، تدل على وجود خروق جسيمة للمادة.
وأضافت بأن جهاز المباحث يعتبر نفسه فوق السلطة القضائية وغير معني بأحكامها.
وفي بندها الثالث تحت عنوان "بث الرعب عند الاعتقال التعسفي" وقالت أن جهاز الأمن هو جهاز الخوف إذ بات يثير رعب المواطن العادي فضلاً عن رعب أسر المعتقلين.
وذكرت حسم كمثال ونموذجاً على ذلك، المعتقل المدافع عن حقوق الإنسان وعضو جمعية الحقوق المدنية والسياسية محمد صالح البجادي في مارس 2011 في بريدة منطقة القصيم اعتقالاً تعسفياً يشبه الاختطاف، حيث كبلت يديه وقدميه بالأغلال بطريقةًمهينة، إذ قاموا بالتحول بمحمد البجادي في أنحاء المنزل أمام أطفاله وزوجته ثم اقتادوه أمام مرأى جيرانه وزبائن مكتبه.
ولفتت حسم إلى تلفيق التهم على دعاة حقوق الإنسان لشلهم وذكرت البجادي مرة أخرى ومعه سجناء جدة الاصلاحيين نموذجاً، وأن هذه التهم إما أن تكون أخلاقية أو تهم عنف وتطرف وتمويلها.
ووجهت حسم خطابها بشكل خاص إلى عبدالعزيز الهويريني وذكرته بالسبب الحقيقي لاعتقال سليمان الرشودي سابقاً، وموسى القرني رحمه الله، وسعود الهاشمي ورفاقهم وغيرهم، ألا وهو نشاطهم الحقوقي والسياسي، وذكرته أيضاً بأن التستر على مثل هذه الجرائم يماثل ارتكاب الجرمية نفسها.
وطالبت حسم بإطلاق سراح المدافعين عن حقوق الإنسان ولا سيما محمد البجادي فوراً، وتقديم الاعتذار له وتعويضه عما لحق به مادياً ومعنوياً ، وأشارت إلى أن قضية البجادي ليست قضية منفردة بل واحدة من آلاف الحالات التي تأتي في طل ممارسات شنعاء يرتكبها جهاز المباحث العامة ينتهك بها أبسط حقوق الإنسان.
وأثارت حسم موضوع التجسس والاعتداء على خصوصية الناس وإرهابهم، إذ صرّحت بأن لدى العديد من النشطاء والجمعيات الحقوقية ومنها جمعية الحقوق المدنية والسياسية براهين على أن هناك تنصتاً على وسائل الاتصال والاستماع لمكالمات نشطاء حقوق الإنسان، وذكرت مثالاً بما حدث للناشطة الحقوقية ( ريما الجريش) عضوة جمعية الحقوق المدنية والسياسية.
وأضافت حسم أن جهاز المباحث العامة يضايق ويهدد النشطاء الحقوقيين في مقار أعمالهم وامتد إلى عائلاتهم وصولاً إلى اعتقال أحد أفرادها في بعض الحالات.
وفوق الاعتقال يأتي اختطاف النشطاء وتلفيق التهم لهم كما أعتقلت فاضل المناسف، ونذير الماجد، مبارك آل زعير، سليمان الدويش وغيرهم من الأمثلة على القاعدة المنهجية، الاعتقال التعسفي.
وأكدت حسم إن سلب الكرامة والحرية، أخطر من سلب المال، بل أهم من الحياة، وإذا لم يكن إشاعة الخوف في الناس وتعذيبهم والاعتقال التعسفي والإعدام خارج القضاء جرائم ضد الإنسانية، فما هي الجرائم ضد الإنسانية إذاً. وسلطت حسم الضوء في خطابها الموجه إلى قضية حرمان المتهم أثناء اعتقاله من حقوقه المشروعة التي كفلتها الشريعة قبل أربعة عشر قرناً من إقرار المواثيق الدولية، كحقه في محام وفي محاكمة علانية وعادلة .. إلى آخره. وتساءلت حسم حيال هذا الحرمان قائلة:
هل تهدف المباحث بتلك المعاملة القاسية وغير الإنسانية إلى تصفية أولئك المعتقلين والقضاء عليهم في سجونها دون الحصول على حكم إعدام قضائي؟!
ورجحت قوة هذا الاحتمال لأن بعض السجناء استفحلت فيهم الأمراض كالشيخ (ابراهيم الحضيف)، واذا كانت المباحث تعلم بأمراض هؤلاء ولاسيما الخطيرة ولا تعالجهم ولقوا حتفهم في سجون المباحث، فما تلك الممارسات إلا جرائم قتل ترتكبها المباحث مع سبق الإصرار والترصد، تستوجب الملاحقة القضائية المحلية والدولية لجميع الضباط والأفراد الذين مارسوها وعلى رأسهم أنت يا مدير عام المباحث لمسئوليتكم المباشرة عن ذلك وتستركم عليهم.
وهنا أيضاً ابرز مثال على هدف السلطات السعودية لتصفية معتقلي الرأي، مثلما فعلت مع ابو الاصلاحيين وأحد مؤسسي (حسم) الدكتور عبدالله الحامد الذي عذبته ثم أهملته طبياً حتى توفي رحمه الله.
وتحدثت حسم عن استغلال المباحث لبعض الأنظمة السارية ومن الأمثلة على ذلك استغلال المادة الخامسة والعشرين بعد المائة، التي تنص على: ” القرار الصادر بحفظ التحقيق لا يمنع من إعادة فتح ملف القضية والتحقيق فيها مرة أخرى متى ظهرت أدلة جديدة من شأنها تقوية الاتهام ضد المدعى عليه. ويعد من الأدلة الجديدة شهادة الشهود والمحاضر والأوراق الأخرى التي لم يسبق عرضها على المحقق.“
فلقد استغلت المباحث تلك المادة في ابتزاز الناشطين الحقوقيين والمصلحين السياسيين، فبعد أن تسجن الناشط الحقوقي فترة طويلة في زنزانة انفرادية، تبدأ بمساومته بالأفراج عنه على أن يعترف بجملة من التهم التي لم يقترفها، وتصادق “محاكم المباحث” السرية على تلك الإعترافات، في جلسات سرية تعقد تحت جنح الليل، دون وجود محام أو ممثل للإدعاء العام، ويتم توقيع المتهم على جملة من التعهدات قبل الإفراج عنه، ويقومون بإخباره أن ملف اتهامه لازال مفتوحا وفقا للمادة المذكورة أعلاه، لأجل ابتزازه حتى لا يعود لنشاطه المشروع السابق.
وأشارت حسم إلى تعمد إهانة أسر المعتقلين، إذ تعاني الأسر معاناة شديدة وقاسية بفقدان أحد أفرادها وفي حالات كثيرة قد يكون هو معيلها الوحيد.
وختمت حسم خطابها الموجّه بقولها:
لا ريب أنكم تعلمون أن كل تلك الجرائم والإنتهاكات الخطيرة التي ترتكبها العناصر الفاسدة في جهاز المباحث، لا تسقط بالتقادم وتبقى مسؤولية مرتكبيها في المستقبل مهما طالت المدة، ولا يخفى عليكم أن الناشطين الحقوقيين والجمعيات الحقوقية-في الداخل والخارج- والمنظمات الدولية ترصد بدقة تامة كل تلك الانتهاكات والجرائم والمخالفات، وسيأتي اليوم الذي تقدم فيه كل تلك القضايا بشهودها ووثائقها في محكمة مستقلة محلية أو دولية، وفي تلك اللحظة لن يكون هناك من يمكنه ان يقدم لمنتهكي حقوق الإنسان أي حماية، مهما اعتقد بعلو منصبه، بل على العكس سوف يكونوا اكبش فداء لمن أمرهم بإرتكاب تلك الجرائم، فمن أمر بالتعذيب حينئذ لن يستطيع الدفاع عن نفسه، ناهيك عن تقديم الحماية لمنتهكي الحقوق، فالكيس من استفاد من مصير غيره، وليس مصير حبيب العادلي ومدير مباحثه عن أمثاله منكم ببعيد.